|
رسالة من ميت الى صديقه:
حينما توفي أحمد شعرت أني أنشطر إلى نصفين، شعرت بمطرقة تدك الصلابة في قلبي، بأقدام تحْطُم وجداني، شعرت بمشاعري تعلقها المسامير فوق جذع النخيل، و بأن ظهري يميل، شعرت بأن الحياة انتهت و أزلفت إلى شيء غير اعتيادي، فاضت علي انفعالات بين البكاء و الصمت، و بين الشرود و الذهول من كل جانب، تتشاجر في رأسي و تـُسيل عقلي و تعجزني عن التفكير بعمق، حتى كأني أغطس في بركة عميقة تحيدني عن الرؤيا الواضحة
الرساله:
هذه الرسالة بتاريخ 21/05/2007م،،،
"أخي الحبيب محمد،
أرى العالم يضيق
و أرى السماء تطبق علي
أرى قلبي ينبض بالخوف
أرى أنفاسي تخفت
فما أشد الحياة إن نبتت في فمها الأضراس
ما أشد التيه الذي أقحمنا فيه
ما أشد العواصف التي نقاوم
ما أعظم المصائب التي تسكن في أحشائنا
فآه لو تنتفض إلى خارجنا
ما أشد حكم الدنيا إذا حكمت بالتيه و الضياع
ما أعظم بؤس الباطن إذا لم يسكنه الله
ما أشد حرارة إذ تشتعل فيه باكرا
و كم أهل الله مطمئنون بصاحب لا يغيب أقرب إليهم من حبل الوريد
فهنيئا لمن عشق أقرب قريب إليه...
محمد أيها العزيز
ليتك كنت معي دائما
تدفع عني سموم الأفاعي و سهام الشياطين
لكنت في أشد اطمئنان
ليتك تترك لي قبسا منك، من خيالك
أو قبضة من روحك
أمرغ بها روحي، و أغسل بها بلاطات قلبي
ليتك تدب عني الغربان برفرفة من جناحيك و لو من بعيد
ليتك تعير كلك لي ليقضي معي مسافات الطريق
ليغربل معي العثرات
ليتك تنصب جبينك لي لأكبر عنده و أتلو سورة التوحيد
ليت عدواك تسري إلي كما تسري الدماء إلى العروق
ليتني كنت أنت، ليتني كنت محمد، ليتني ما كنت أحمد
هاك املأ وسخ روحي بالزيت و أحرقه و اقرأ عنده سورة التوبة
و ارسم على رماد الذنوب صورة قلب
فمن الطهارة الحقة يولد الحب الحق
أيها الغالي..."
أراك تعصر مشاعري يا (أحمد)،،، غلبتني الدموع، و نزل بروحي الهم و الحزن، كنت إنسانا عظيما تثلج المشاعر،، شعور باللذة ينتاب قارئ رسائله، خمر يملأ الكأس، مفردات تهزأ بالأفكار، عواصف يوقظها الصدق، و عواطف جياشة، تبعث على إدمان قراءتها...تنساب الرسائل بموازات الدموع وحدهما لا شريك لهما،، الدمعة تلو الدمعة و الرسالة تلو الرسالة،،، إلى رسالة مفجعة صامتة قال فيها...
"عزيزي محمد
إذا حصل و مت قبلك
و حضرت جنازتي
و أهيل علي التراب
فتذكر أن كل نفس ذائقة الموت
و أنني كنت حيا في الغافلين
أسرح و أمرح
و أعيث في عالم اللذات
و اعْـلم أنني حي في قبري
أحس بالتراب ينهال على جسمي
و أحس بالظلام يخيم على قبري
أحس بفراقك و جفائك
بابتعادك عني مع الناس خطوة خطوة
لأشعر بالصدمة
و تحسس بأني أسكن بيتا جديدا ضيقا لم أعتد عليه
يكبل إرادتي و يحبس حريتي
و اعْـلم أنني حينها أتمنى أي مؤنس بجانبي
و اعـْلم أنني نقلت إلى عالم جديد لا أراك فيه ولا تراني
و اعْـلم بأني حللت إلى ما أُسأل فيه عن كل شيء
و اتخذ مني عبرة
فقد رأيتني يقينا و عرفت أني كنت في الحقيقة معك
و خبرت بموتي أن الموت حق و العالم الآخر حق
و تذكر حينها رسالتي هذه
و أني أهديتك الذكرى التي تنفع المؤمنين
و ستصبح رسالتي حينذاك (رسالة من ميت)..."
أجهشتُ بالبكاء (محمد)
و انسكب الحبر على الأوراق
قلم نزل، يكتب وحده يا لله من ساعة!
إنها مجيء قابض الأرواح..
إنها رائحة الموت لا رائحة التفاح..
إنها مذبحة الأصوات، و جنة الأشباح..
إنها الشهقة و الصيحة و النياح..
إنها أسطورة الوداع..
إنها فاتحة تداع..
إنها جنازة تأكل من لحومها السباع..
إنها معارك الميراث و وردة تباع..
إنها مُهلكة المواعيد..
إنها صاحبة الأحزان و التجاعيد..
إنها قاتلة الضحكات و التغاريد..
إنها نهاية الحياة..
إنها بداية الفوت أو النجاة..
إنها حقيقة الصلاة..
في يومها تنقشع الأيام..
في يومها تندفن الأحلام..
في يومها يحرّم الكلام..
في يومها تختتم الأوهام، و تحضُر الآلام..
في يومها يفتتح التحقيق..
في يومها لا ينفع الحميم و الصديق..
في يومها نحسُّ أنّا كلنا رقيق..
و كل شيء عندنا يضيق..
لا تكتفي أنفاسنا من كثرة الشهيق..
و لا نجيد السير من أرجلنا من وحشة الطريق..
و يبدأُ الإحراق و الحريق..
جنازة أردت بها مائدة الغناء و النعيق..
هل استعد الأهل أن يفتتحوا مجالس العزاء؟
هل استعد الواعظون ليعلنوا سذاجة الأحياء؟
هل استعدت مهجتي لتبدأ العذاب و الفناء؟
هل حان وقت يعلنوا وفاتي؟
هل انتهت حياتي؟
....قطرات من الحب و الحبر و الدموع سقطت على حروف سورة الفاتحة!..
منقول
|